سأبدأ، وقفتي هذه، من حيث انتهت وقفة سكرتير تحرير يومية "الاتحاد" البغدادية، الزميل محمد ثامر يوسف، في أن أفضل كتاب قرأته الآنسة، آنسة ابن أخته الذي سألها عن أفضل كتاب، في القراءة، لتجيب في الحال، ودون تردد "زهرة الخيج". هذه نهاية الغيث، طبعاً، وبداية الجفاف الثقافي معاً.طبعا "زهرة الخليج"، مجلة خليجية دورية، تهتم بشؤون الأناقة وجمال المرأة والزينة والديكور والرشاقة، وهي، بطبيعة الحال ليس كتاباً، وهنا، يحيلنا الكاتب، يوسف، الى مدى سطحية النظر والرؤية التي يتملكها بعض الوصيين على شؤون حياتنا، وإن كان لبعض الوقت، ومؤقتاً، فهناك، بطبيعة الحال أيضاً، غزو ثقافي وفكري مشوه، لأنه شتان بين كتاب ومجلة، وشتان أيضاً بين صحيفة ومجلة، وشتان بين الشاعر العراقي سعدي يوسف وبين الفنان الكردي سعيد يوسف، حيث كان الخلط واضحاً اسمياً، في مرحلة ما، بين تلك الأسماء، الدورية، المجلة، الكتاب، المنشور، الشاعر، المغني، الفنان، وتماماً مثلما كان الخلط مفضوحاً بين مفردة الشعر والقصيدة.
ما رّمز اليه الزميل محمد ثامر يوسف، في وقفته تلك، أنه أراد إيراد تشويه، طبعاً تشويه لاحق الوسط الثقافي والتنويري، في أن الأستاذ "عبد" الذي كان يفختر بالكتاب، في مرحلة ما، هي مرحلة تعيد الى الأذهان ثلاثة عقود خلت، وربما أكثر، في مشهد جميل، حيث كتاب جديد صغير صدر للتو، حيث كان ذلك الكتاب هو الأول في سلسلة جديدة أنشئت، هي الموسوعة الصغيرة، ويتباهى به الأستاذ بيد مرتعشة، والارتعاش نابع من هيبة الثقافة، مثلما هي هيبة الكتاب، لنقل كان المشهد جدياً، آنذاك، لأن كل شيء تغير الآن، هكذا يبدو، ليجمع البعض الدراهم، درهماً درهماً، كسعر للكتاب، ثم ليشتري، الأستاذ، لكل طالب نسخة من ذلك الكتاب، ليتم فصل الأستاذ عبد، سياسياً، من قبل وزارته، وهو المتهم بشؤون طلبته الثقافية، ثم لتكون النهاية، أن الكتاب الذي بات يجمع له الدراهم من أجل اقتنائه، بات لا يهتم به أحد، بل بات في الرفوف، يأكله الغبار، لتكون المقارنة البسيطة بين وعيين ثقافيين لدى أو بين جيلين، وهي من كبرى المغامرات، إذا أخذنا بعين الاعتبار، ما لتلك الثقافة من وعي نشأته المرحلة، وما لتلك الثقافة من وعي، رصين، فيما هناك بالمقابل، وعي آخر مشوه، أو تم تشويهه نتيجة السرعة في تسلق الثقافة أو في أن لا يظل المكان شاغراً.
شتان بين جيلين، جيل واع، مسؤول، جاد ومتابع تربى على الوعي السياسي، ونظرياته، لا أهوائه، وجيل لا مبال، مهمل، يأخذ الأمور على عواهنها، نافر من الوعي السياسي الذي وضعت أرضيته عن طريق الملاحقات السياسية والسهر.
على كل حال، فأن الواقع الثقافي، له صور شتى، وهذا ما أراد الزميل محمد ثامر يوسف قوله، من خلال سرد حادث بسيط، في واقع معقد، هو راهننا بالنهاية، راهن لا مناص منه.