لاشك ان قضية المناطق المستقطعة من كوردستان ، تعتبر المسألة الاهم ضمن مسائل اخرى مختلف عليها في سلم العلاقات بين الحكومة في بغداد وحكومة كوردستان ، ومعلوم ان تمسك الكورد بعودة تلك المناطق الى فيدرالية كوردستان يعتمد اولا على اسباب تاريخية لا يمكن الطعن بها ابدا
وثانيا على اسباب جغرافية كون تلك المناطق تقع ضمن المحيط الكوردستاني ، وان هذه المناطق كانت وما زالت وستظل المجال الحيوي للمستقبل الاقتصادي والديموغرافي لسكان كوردستان ولاستيعاب الزيادات في النمو السكاني ، ولان سهول وهضاب تلك المناطق تعتبر الامتدادات الطبيعية لقدمات جبال زاكروس الموطن الاصلي للشعب الكوردي ، وثالثا على اسباب قومية لكون اغلبية السكان الاصليين لتلك المناطق من ابناء القومية الكوردية وتعرضوا الى صنوف سياسات الاضطهاد العنصري والترحيل والتنكيل ، ومع الاقرار بوجود قوميات اخرى فيها مثل الكلدان الاشوريين السريان والتركمان والارمن ، اضافة الى العرب .
و بسبب اكتشاف النفط في كركوك فقد بدأ البرنامج العنصري للحكومات العراقية لتعريب مناطق كوردستان منذ عام 1937 انطلاقا من تعريب قضاء(الحويجة) جنوب كركوك ، و اتخذ البرنامج العنصري شكله الفعال اعتبارا من عام 1963 ، واشتد بصورة منهج واضح المعالم بعد عام 1968 والمستمر بشكل "قانوني!" الى الان ، اذ ان الكثير من قوانين التعريب ما زالت سارية المفعول في كركوك والمناطق المستقطعة الاخرى حسب تصريحات حديثة لمسؤولين رسميين في تلك المناطق ، وسلوكيات حاكم الموصل واعوانه الشوفينيين لا تحتاج الى اي توضيح. كما ان نوابا في البرلمان العراقي ومنهم النائب عن الكتلة العربية المستقلة عمر الجبوري "في تصريح لوكالة الخبر للانباء" ما زالوا يعتبرون اجراءات التعريب والترحيل الفاشية التي اعتمدت في العهد الدكتاتوري البائد اجراءات قانونية ويلحون على تكريسها والغاء المادة 140 من الدستور الدائم مقابل الاستمرار في اعتماد سياسات التعريب والترحيل ، بل ويعتبرون عودة المرحلين الكورد الى ديارهم في كركوك (زيادة غير طبيعية لسكان كركوك وتزويرا لسجلات الانتخاب ) علما ان معظم الكورد المرحلين من كركوك لم يستطيعوا العودة الى ديارهم في كركوك لحد الان وذلك لاسباب عديدة منها الجو غير الامن الذي تفرضه الجماعات الارهابية ، وعدم الوضوح في وجود اية خطة ستراتيجية لتأمين اعادة المرحلين الى كركوك ، اضافة الى الصراعات الحزبية بين الاحزاب الكوردستانية نفسها التي اضرت كثيرا بالموقف الكوردي ازاء كركوك والمناطق المستقطعة عموما ، لكن دون اغفال الدور الجيد الذي تؤديه وزارة المناطق المستقطعة والدور الكبير الذي يؤديه البرلمانيون الكوردستانيون في البرلمان العراقي للدفاع عن وجهة النظر الكوردية في مسألة المناطق المستقطعة.
ومع تصاعد الصراع حول هذه المسألة اثناء النقاشات التي دارت لاقرار تعديلات على قانون الانتخابات ، ومحاولات بعض الاطراف العربية والتركمانية رفض حتى قرار المحكمة الفيدرالية بوجوب اجراء الانتخابات في كركوك اسوة بكل المحافظات العراقية الاخرى ، كانت هناك ثلاثة انواع من الضغوط باتجاه العمل لاجهاض اي عمل دستوري بشأن المسألة اولها :
- التلكوء الواضح من قبل اطراف في الحكومة العراقية في تنفيذ التزاماتها القانونية ازاء تنفيذ مضامين المادة 140 والامتثال للدستور.
وثانيا:
- الضغوطات الارهابية في المناطق المستقطعة والقتل العمد للالاف من المواطنين الكورد في كركوك ونينوى وديالى اضافة الى اعداد كبيرة من الشيعة التركمان والمسيحيين ،
وثالثا :
- الضغوطات الاقليمية ، ومنها الهجمات المتعمدة لمدفعية الجيش الايراني والجندرمة التركية على قرى جنوب كوردستان تحت ستار محاربة العمال الكوردستاني ، ولا ندري لماذا لا يحاربونهم في الجانب الاخر من "الحدودالدولية"! ولماذا هذه الهجمات فقط وفي اوقات معينة؟ اضافة الى ظاهرة لم تعد غريبة ومنذ عام 2003 على وجه الخصوص وهي اشتداد ظاهرة ارسال عشرات الالاف من الاطنان سنويا من المواد الغذائية والسلع المنتهية صلاحية استعمالها من الحدود الايرانية والتركية والسورية الى اسواق كوردستان ( ويتحمل التجار المستوردون ايضا لتلك البضائع مسؤولية ادخال تلك المواد ، والغريب انه لا يسمع عن اية عقوبات توجه اليهم حتى من السلطات الكوردية وينتهي الامر بالرغم من خطورته عند نشر اخبار ضبط تلك السلع في وسائل الاعلام ).
ومن جانب اخر ، وضمن الضغوطات الاقليمية ، تأتي زيارة اوردوغان المفاجئة الاخيرة الى بغداد التي لا يمكن اعتبارها بريئة في هذا الوقت بالذات ، وخصوصا عقب زيارته الى سوريا ، ومحاولات تركيا حصر المشاكل بين العراق وسوريا بأي ثمن وليس من اجل عيون العراقيين بالتأكيد بل لغرض اخر ...في قلب يعقوب ، كما لا يعتبر الطلب المخجل لمسؤول كبير مثل طارق الهاشمي ايضا سلوكا بريئا حين طلب من اوردوغان وهو رئيس وزراء لدولة اجنبية فقيرة بالقياس مع العراق الغني ان يخص كركوك بالذات ب"مشاريع كبيرة" ، والهاشمي نائب رئيس جمهورية تصدر بلاده ما قيمته حوالي الثمانين مليار دولار سنويا من النفط الخام الى العالم . كما يبدو من مجريات زيارة رئيس الوزراء التركي انه يحاول الضغط بأتجاه الموافقة على مطالب بعض المتطرفين من العرب والتركمان والمضي في مشروع (الاقليم الخاص) مقابل (هدية!!) عبارة عن سلة اتفاقات هي في حقيقتها وامام الوضع الاقتصادي المزري لتركيا لا تساوي شيئا يذكر (48 اتفاقية ومذكرات تفاهم دفعة واحدة!!) ، ولان تركيا منذ سنين طوبلة ما زالت تساوم العراق على الماء الذي يشربه اهل العراق ، وعلى الطرف الداخلي لتركيا فقد استغل رئيس الوزراء التركي ايضا اشهار برنامجه (الشفهي فقط لحد الان) للانفتاح على الكورد في شمال كوردستان كوسيلة ضغط او مناورة لاسكات كورد العراق ولتمرير برامجه الداخلية في تركيا اضافة الى "برنامجه الخاص" بكركوك ، وليرضي ايضا جنرالات الجندرمة الذين تشكل النهضة الكوردية بالنسبة اليهم كابوسا رهيبا يطير النوم من عيونهم.
و كان هناك ايضا التقرير المهم " خط الزناد " عن المناطق " المتنازع عليها" الذي اصدرته مؤخرا مجموعة الازمات الدولية مركزها في بروكسل ، ويرأسها السياسي البريطاني كريس باتن النائب السايق في مجلس العموم البريطاني ، و توصت المجموعة بانها منظمة دولية مستقلة هدفها تفادي وقوع ازمات دولية كبرى والتشجيع على الحوار وطرح الحلول السياسية ، وقد جاء في توصيات هذه المجموعة وفي الجزء الموجه الى حكومة بغداد واربيل :
"أعادة إطلاق المفاوضات المتعلقة بالقضايا ذات الأهمية الكبرى بما في ذلك:
أ) إلغاء تجميد اللجان القيادية الخمس في بغداد واستئناف المناقشات حول القضايا التي تقع ضمن صلاحياتها والمتعلقة ب"الأراضي المتنازع عليها"، وتقاسم السلطة والإصلاح الدستوري، والأمن والبشمركة، والسياسة الخارجية والاقتصاد والنفط/الغاز؛
ب) عقد مناقشات حول "الأراضي المتنازع " عليها كجزء من فريق العمل الذي أنشئ برعاية الأمم المتحدة، والشروع بخطوات بناء الثقة في مناطق معينة وفقاً لتوصيات يونامي في تقريرها لشهر نيسان/أبريل 2009 عن الحدود الداخلية المتنازع عليها؛
ج) دعم الأطراف السياسية في كركوك خلال المفاوضات، وبوساطة يونامي، تحقيقاً للأهداف التي تنص عليها المادة 23 من قانون الانتخابات المحلية الصادر في أيلول/سبتمبر 2008 والمتعلق بتقاسم السلطة، وقوائم الناخبين، وقضايا الملكية في كركوك، بهدف إجراء انتخابات في محافظة كركوك في أقرب فرصة ممكنة.
2. القبول بعدم اتخاذ المزيد من خطوات أحادية الجانب في "المناطق المتنازع عليها" ، من قبيل إبرام عقود جديدة للنفط والغاز، وإعطاء تعليمات واضحة للقوات العسكرية على الأرض بالبقاء في مناطق منفصلة محددة، باستثناء تلك الحالات التي يتفق فيها الطرفان على القيام بعمليات مشتركة ضد جماعات تستعمل العنف غير مشاركة في العملية السياسية.
3. الكف عن إطلاق الخطب النارية فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية، ووضعية الأراضي المتنازع عليها، وإبرام عقود النفط والغاز في هذه المناطق، لاسيما قبل الانتخابات في منطقة كردستان في 25 تموز/يوليو 2009 وفي عموم العراق في 30 كانون الثاني/يناير 2010.
4. الموافقة على فتح قنوات اتصال وتنسيق العمل بين الطرفين، بما في ذلك:
أ) قناة للاتصال الدائم بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ورئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني أو بين ممثلين رفيعي المستوى مكلفين من قبلهما؛
ب) تسمية كل من الطرفين لمسؤول لا يحظى بحق التصويت في كل من الحكومة العراقية ومجلس وزراء حكومة إقليم كردستان لتعزيز فرص استباق الخلافات.
ج) إقامة مركز للتنسيق العسكري المشترك في المناطق غير الحضرية في محافظة كركوك للإنذار المبكر وإجراء الاتصالات المبنية على الوقائع على طول خط الزناد (وبالتعاون مع مركز التنسيق المشترك لقوات الشرطة الموجود أصلاً في مدينة كركوك)؛
د) إقامة نقاط تفتيش ونشر دوريات مشتركة من الجيش والبشمركة في جميع المناطق المتنازع عليها، تحت توجيه لجنة أمنية مشتركة في كل محافظة يشرف على تنسيقها لجنة مشتركة تضم ممثلين سياسيين عن كل من حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية."
ان هذه النقاط الموجهة الى الجانبين العراقيين تطرح رؤى توافقية مؤقتة ، ولا تبني او تطرح حلا جذريا او واقعيا للمشكلة ، انها تهدئ الانفس عبر الحث على الحوار ورسم اليات معينة ، و تشجع على الصبر وعدم التصعيد ، وتحيل الموضوع برمته الى مستقبل غير منظور قد يكون محملا بكثير من المفاجئات ، ولكن مع ذلك تقترح جملة مسائل مهمة كما وردت في النقاط اعلاه واهمها الكف عن ابرام العقود النفطية والغاز في المناطق (المتنازع عليها). اضافة الى النقاط الاخرى (مركز تنسيق مشترك ، نقاط تفتيش ، لجان ودوريات مشتركة..الخ)
ولكن المجموعة في توصياتها الى بعثة الامم المتحدة في العراق تدعو الى دفع الاطراف المتصارعة الى تسوية" كبرى" ، تقول المجموعة:
. دفع الأطراف العراقية خلال هذه المفاوضات، لاسيما إن كانوا على وشك الوصول لطريق مسدود في مساراتهم الفردية، إلى التوصل إلى تسوية كبرى تجمع بين قضايا السلطة والموارد والأراضي..الخ"
ولكن المجموعة اخيرا ، وهي تعرف مدى النفوذ الاميركي الكبير على الحكومة العراقية ومع حكومة اقليم كوردستان لا ترى ملاذا لحل دائم الا في ضغوط "قوية" اميركية على الاطراف كافة ل "الوصول الى تسوية سلمية دائمة لضمان التعايش المشترك بين المواطنين العرب والاكراد" ، وتتناسى المجموعة الدور الاقليمي في تعقيد مسألة كركوك والمناطق المستقطعة ، وخصوصا الدور التركي السلبي ، وتحصر المسألة بين العرب والكورد ، وبذلك تفقد المجموعة مساحة كبيرة من موضوعيتها في تناول الموضوع ، لانها عندما تتجاهل الدور الاقليمي المؤثر انما تعطي نصف الحل وليس الحل كله وتحاول حماية مصالح دول معينة او على الاقل غض النظر عن التأثيرات السلبية لخطط تلك الدول في مستقبل الاوضاع بين الكورد والحكومة العراقية .
توجه المجموعة خطابها الى الولايات المتحدة :
". ممارسة ضغط قوي على الأطراف العراقيين، وتسخير الموارد السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية لضمان انسحاب مسؤول للقوات الأميركية من العراق يترك وراءه دولة قابلة للاستمرار، متضمناً تسوية سلمية ودائمة تضمن التعايش بين المواطنين العرب والأكراد.
. على وجه الخصوص، توفير دعم كامل ليونامي في الوساطة التي تقوم بها بين الأطراف العراقيين فيما يتعلق بهذه القضايا الرئيسية.
. الاستمرار في ممارسة الضغط على الجيش العراقي ووحدات البشمركة للقيام بخطوات أحادية الجانب في المناطق المتنازع عليها، وتعزيز الآليات الهادفة لتحسين الاتصالات والتعاون الأمني لتقليص فرص وقوع صراع عنيف."
ان المجموعة الدولية للازمات في تقريرها لا بد انها كانت تدرك انها بصدد موضوع شائك حقا ، واوربا خصوصا بريطانيا ، تاريخيا ، هي المسؤولة عن خلق المشكلة اساسا عقب الحرب العالمية الاولى وتقسيم كوردستان للمرة الثانية ، واهمال المطالب الكوردية في استقلال كوردستان التي كانت تشمل ولاية الموصل حينها و كانت كركوك والموصل جزءا منها حسب كل الوثائق الرسمية ، وليس معلوما الى اي حد يمكن ان تكون العقلية الاوروبية الان منصفة ازاء مشكلة هي التي خلقتها قبل حوالي التسعين عاما ، مع الاخذ بالاعتبار كل التغيرات الطبيعية وغير الطبيعية التي مرت على المنطقة.
وثمة اسئلة مهمة ، وفي مقدمتها : الى اي مدى ستبقى الحكومة العراقية واطرافها التي تضع العصي في عجلة المادة 140 تتجاهل العمل وفق الاساسيات الاخلاقية للالتزام بتلك المادة الدستورية ، وهي المادة التي تعتبر عمليا "الضمانة الوحيدة لتسوية سلمية ودائمية ودائمة" ، وهل ان الولايات المتحدة الاميركية والغرب عموما سيلتزمون حقا بالخيار الديمقراطي الذي اعلن الكورد التزامهم به عبر الية تنفيذ المادة المذكورة المبنية اساسا على استفتاء رغبة سكان المناطق المستقطعة بعد ازالة اثار التعريب وعودة المرحلين الى مناطقهم؟ وهو حل اختارته القيادة الكوردستانية لتأكيد احترام شعب كوردستان للمبادئ الديمقراطية ، علما ان موافقة القيادة الكوردستانية على اخضاع كوردستانية تلك المناطق الى اليات الدستور تعتبر عند جماهير واسعة من الكورد نوعا من التنازل غير المبرر عن مناطق كوردستانية تاريخيا وجغرافيا وديموغرافيا غير قابلة للنقاش.
ان المنطق السليم ، حسب رأيي المتواضع ، هو انه لا يمكن ان تحل مسألة كركوك والمناطق المستقطعة الاخرى الا عبر الاعتراف بالحقائق التاريخية والجغرافية والسكانية ، والتوجه الى معيار رغبة السكان عبر استفتاء عام وبأشراف الامم المتحدة ، ولكن بعد ازالة (الحالة غير المشروعة !) التي خلقها النظام السابق في كركوك والمناطق المستقطعة في نينوى وديالى ، وهو المعيار الذي اقرته الامم المتحدة في معالجة مشاكل اقليمية ودولية مشابهة ، وأن اي حل مؤقت اخر ، او ما يقال عن حالة خاصة اخرى لكركوك ( جعلها اقليما خاصا!) لن يكون الحل الاخير ، ولن ينهي النزاع ، لتكون خطا للمحبة ، بل ستبقيها "خطا للزناد" .
وفي الوجدان الكوردي ، ستظل كركوك كوردستانية ، ما دامت تنبض بالحياة على بوابات الجبل الاشم وتحتضن هضاب كه رميان ونيران الازل وتحدها جنوبا هضبات حمرين ، ولكن اذا اراد البعض جعلها شيئا اخر ، فليذهبوا الى مخرجي الافلام الخيالية وافلام الكرتون لعلهم يستطيعون مساعدتهم في نقل كركوك بكل ما عليها وما تحتها من موقعها الحالي الى مكان بعيد .... حينها فقط ، ربما ، ستفقد كركوك كوردستانيتها ، ولكن في الخيال !
------------------------
بقلم : عبدالوهاب طالباني